كلمة العدد الاخير

احترام صلاحيات واختصاصات السلطات الدستورية في النظام البرلماني وحكم المحكمة العليا الإنجليزية الأخير

أ.د. بدرية عبد الله العوضي

يستند النظام البرلماني في تنظيمه للحياة الدستورية والسياسية داخل الدولة في العصر الحديث إلى مجموعة من المبادئ والمقومات والمرتكزات الأساسية، التي ترسخت وتعمقت عبر تجارب ومراحل وإرث متراكم، ومكنت من استيعاب إيجابي للقوى الاجتماعية والسياسية وتنظيم التداول السلمي على السلطة بما يخدم المجتمعات ويحقق نهضتها التنموية الشاملة. وقد شكَّل مبدأ استقلال السلطات الدستورية واحترام اختصاصاتها وسلطاتها من طرف بعضها بعضاً حجر الزاوية في ضمان فعالية مؤسسات هذا النظام، وحفظ سيادة الأمة، وكفالة الاحترام الواجب للإرادة الشعبية، التي تعكسها البرلمانات المنتخبة بشكل حر ونزيه، ودون التأثير فيها عن طريق المال الفاسد أو التزوير أو الرشوة أو غيرها من طرق التأثير على إرادة الناخبين.

ورغم أن ما سبق تقريره لم يعد أمراً نظرياً في ضوء التطبيقات العملية لآليات عمل النظام البرلماني في دول تنتمي لقارات وحضارات وثقافات ومجتمعات مختلفة، إلا أن الوقائع المعاصرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن احترام أصول وقواعد ومجالات اختصاص وعمل السلطات والمؤسسات الدستورية يُشكل ضمانة حقيقية لاستقرار البلدان وتحقيق تنميتها ونهضتها، ويكبح جماح أعمال التعسف والانتهاك لاختصاصات السلطات وللإرادة الشعبية وللحريات العامة، وذلك من خلال منظومة دستورية وسياسية، تقوم فيها كل سلطة بممارسة سلطاتها واختصاصاتها المكفولة لها.

ومن بين هذه الوقائع الحكم الأخير للمحكمة العليا في المملكة المتحدة، الصادر في 23 سبتمبر 2019، بشأن طعن على قرار رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون، صدر بتاريخ 28 أغسطس 2019، ينص على تعليق عمل البرلمان لمدة شهر (من 12 سبتمبر إلى 12 أكتوبر 2019)، وذلك لفسح المجال أمام حكومته لتنفيذ عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، واصفاً (أي رئيس الحكومة) القرار بأنه: “خطوة روتينية لإفساح المجال أمام حكومته لإطلاق برنامج تشريعي جديد الشهر المقبل”. وقد أدى ذلك القرار إلى حالة من التوتر والاحتقان السياسي في البلاد، كما قوبل برفض من رئيس مجلس العموم في حينه جون بيركو، الذي وصفه بأنه: “إنتهاك للدستور، وأن إغلاق البرلمان سيكون جريمة بحق العملية الديمقراطية وحقوق البرلمانيين كممثلين منتخبين للشعب”، وكذلك من قبل زعيم المعارضة العمالية جيريمي كوربن الذي اعتبر القرار “فضيحة وتهديدا للديمقراطية”، وتقدم بخطاب احتجاج ورفض رسمي إلى الملكة وقعته إلى جانبه زعيمة الحزب الليبيرالي الديمقراطي جو سوينسون، وقد دخلت على خط الرفض أيضاً رئيسة وزراء أسكتلندا، العضو في المملكة المتحدة، كما وقَّع أكثر من 500 ألف بريطاني على عريضة برفض قرار تعطيل أعمال البرلمان، وذلك في غضون ساعتين من صدوره، داعين البرلمان إلى استئناف جلساته.

وبسبب هذه الأجواء المتوترة، قررت المحكمة العليا تسريع إجراءات النظر في الطعن المقدم على قرار رئيس الوزراء، وقد قضت المحكمة العليا بإجماع أعضائها الأحد عشر، بأن هذا القرار “غير قانوني لأنه منع البرلمان من ممارسة مهامه الدستورية، ويعد لاغياً ولا تأثير له”، داعية البرلمان إلى الاجتماع في أقرب وقت. وأكدت المحكمة في حيثيات قرارها أولاً اختصاصها بالنظر في القضية على اعتبار أن الأمر يتعلق بوجود وحدود السلطات الممنوحة لرئيس الحكومة وقانونية الإجراء الذي اتخذه، مشيرة في هذا الصدد إلى أن المحكمة مارست الرقابة القضائية على الأعمال الحكومية غير القانونية منذ عدة قرون. وأضافت المحكمة أن السؤال الأول الذي تثيره هذه القضية يتعلق بما إذا كان قرار رئيس الحكومة بتعطيل عمل البرلمان  prorogue parliament قانونياً أم لا، وأما السؤال الثاني فيتعلق بماهية حدود سلطة أو امتياز prerogative رئيس الحكومة في اتخاذ ذلك القرار.

وأشارت المحكمة إلى أن هناك مبدأين رئيسيين في الدستور الإنجليزي يتوجب مراعاتهما لحل النزاع المعروض أمامها، المتعلق بقانونية ومشروعية قرار رئيس الحكومة بتعطيل عمل البرلمان، الأول يتمثل في مبدأ السيادة البرلمانية parliamentary sovereignty  والذي يعني أن البرلمان هو الذي يضع القوانين التي يجب على الجميع احترامها والخضوع لها، مشيرة إلى أن هذا الأمر سيتم تقويضه undermined إذا ما تمكنت السلطة التنفيذية، من خلال ممارسة الامتياز الممنوح لها، أن تحول دون ممارسة البرلمان لسلطاته الدستورية في سن القوانين بالفترة التي يريدها. وأما المبدأ الثاني فهو مبدأ المساءلة البرلمانية Parliamentary Accountability  والذي عبر عنه اللورد بنغهام، أحد كبار لوردات القانون، بالقول إن: “الحكومة مسؤولة مسؤولية جماعية عن أعمال رئيسها ومجلس وزرائها أمام البرلمان، وهو ما يُمثل قلب ديمقراطية ويستمنستر”.

وانتهت المحكمة وفق ذلك إلى أن قرار رئيس الحكومة بتعطيل أعمال البرلمان غير قانوني، لأنه يمنع البرلمان من ممارسة سلطاته الدستورية، ويحول دون تفعيل مبدأ الرقابة والمساءلة البرلمانية على السلطة التنفيذية، وهي مبادئ وركائز أساسية في النظام الدستوري الإنجليزي.

وإذا كان هذا الحكم لا يشكل سابقة قضائية فيما يتعلق بالعلاقات بين السلطات أو نزوع السلطة التنفيذية للهيمنة وتجاوز الصلاحيات والحدود الدستورية، إلا أنه يؤكد الدور الفعال للسلطات الدستورية الثلاث في النظام البرلماني، وخاصة السلطة القضائية التي يشكل دورها الإيجابي والفعال ضماناً للتوازن وعلاقات التعاون بين السلطات واحترام أحكام الدستور، وهو ما ينعكس إيجاباً على تحقيق المصالح الوطنية والاجتماعية والتنموية. ومن الطبيعي بالنسبة للأنظمة الدستورية والقضائية المقارنة أن يشكل اجتهاد المحكمة العليا الإنجليزية وغيرها، فيما يتعلق بحدود العلاقة بين السلطات الدستورية وطبيعة اختصاصاتها، معيناً ونموذجاً للدراسة والتحليل، ولما لا الاستفادة منه بما يطور الحياة الدستورية، خاصة بالنسبة للدول التي قطعت شوطاً لا بأس به في هذا المجال، وينحو دستورها بشكل واضح نحو النظام البرلماني.

أحدث المواد المنشورة

الاكثر قراءة