التوازن بين علانية المحاكمة ومبدأ الخصوصية – دراسة مقارنة بين أحكام الشريعة الإسلامية  والقوانين الوضعية في فرنسا ومصر والكويت والإمارات

د. أســـامــة الـروبـي
أستاذ قانون المرافعات المشارك – كلية الحقوق جامعة القاهرة وكلية القانون جامعة الشارقة

الملخص

أهمية القضاء في المجتمعات الحديثة:
نشأت الحاجة إلى وجود مرفق القضاء بعد تطور المجتمعات الإنسانية حيث تولدت الرغبة في تنظيم أسلوب اقتضاء الحقوق وحمايتها ضد أي اعتداء قد يقع عليها من الغير. فبعد أن كان مبدأ أن القوة تنشئ الحق وتحميه هو السائد في المجتمعات البدائية، استشعر الإنسان ضرورة وجود تنظيم فعال يمكن عن طريقه حماية الحقوق والمراكز القانونية للمواطن في ظل مجتمع حديث ومنظم يضع مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه في مرتبة عليا.
وقواعد التنظيم القضائي، التي تحتويها النصوص الدستورية فضلاً عن نصوص قوانين المرافعات والسلطة القضائية والمحاماة وغيرها من القوانين ذات الصلة، هي تلك الأداة التي يتدخل عن طريقها المشرِّع لتنظيم القضاء في المجتمع الحديث، ويأتي في مقدمة هذه القواعد مجموعة من المبادئ أو الضمانات الرئيسية التي تكفل التنظيم الأمثل لعملية التقاضي سعياً نحو تحقيق العدالة النسبية التي يصبو إليها أي نظام قضائي.
ويستند النظام القضائي في أغلب تشريعات العالم، وأهمها التشريعات اللاتينية وما تبعها من التشريعات العربية، على عدد من المبادئ الأساسية التي يظهر دورها جلياً في نصوص قانون المرافعات والقوانين الملحقة به. ومن أهم هذه المبادئ مبدأ علانية المحاكمة، الذي تؤكد الشريعة الإسلامية على احترامه، والذي يستوجب أن يتم تحقيق الدعوى والمرافعة فيها في جلسات علنية يسمح فيها لكل شخص بالحضور وبإذاعة ونشر المرافعات التي تتم فيها في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، كما يستوجب أن يصدر القاضي حكمه في جلسة علنية، وأن يسمح لكل شخص بالاطلاع على الأحكام والحصول على صورة منها وفقاً للضوابط القانونية.
نطاق ومشكلات الدراسة:
إذا كان مبدأ علانية المحاكمة يُعَدُّ من المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها أي نظام قضائي عادل، حيث يعتبر مبدأ العلانية Principe de la publicité من المبادئ الأساسية التي ترتبط بالمحافظة على حقوق الدفاع، وتضمن حياد القضاة ونزاهتهم بفضل خضوعهم لرقابة الرأي العام، وذلك ضماناً لحسن تطبيق القانون ووصولاً إلى العدالة المنشودة، فإن هذا المبدأ الهام قد يصطدم في عدد من الحالات بمبدأ آخر لا يقل عنه أهمية، وهو مبدأ الخصوصية، الذي تؤكد على احترامه أحكام الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية وغالبية دساتير دول العالم، حيث قد تستوجب بعض الحالات، كتلك التي تثور فيها مسائل حرمة الحياة الخاصة واعتبارات المحافظة على الأسرار العائلية، أو حفظ الأمن القومي، أو النظام العام، أو الآداب العامة، إقامة التوازن بين ما يتعيَّن إعلانه على الرأي العام احتراماً لمبدأ العلانية، وما يجب الاحتفاظ بسريته حرصاً على مبدأ الخصوصية.
ونحاول من خلال هذا البحث المقارن، بين أحكام الشريعة الإسلامية وعدد من القوانين الوضعية، يأتي في مقدمتها القوانين الفرنسية والمصرية والكويتية والإماراتية، وضع الأطر والحدود الواجب مراعاتها لتحقيق التوازن بين هذين المبدأين الهامين من أجل ضمان تحقيق المحاكمة العادلة، خاصة مع اشتداد الجدل في الفترة الأخيرة حول القضاء وعلاقته بالإعلام، وعن حدود وضوابط مبدأ علانية المحاكمة ومدى ملائمة تصوير وقائع الجلسات وبثها تلفزيونياً وعلى مواقع الإنترنت ونقل أدق تفاصيل المحاكمات على وسائل الإعلام المختلفة.
تقسيم:
بناء على ما تم تحديده من نطاق لدراسة التوازن بين علانية المحاكمة ومبدأ الخصوصية، تنقسم دراستنا في هذا الموضوع إلى ثلاثة مباحث رئيسية نتعرَّض فيها لمفهوم مبدأ العلانية والتطبيق العملي للمبدأ في القوانين محل المقارنة، ثم لأهم الاستثناءات التي ترد على هذا المبدأ، ورؤيتنا لمدى تحقيق التوازن بين مبدأ العلانية ومبدأ الخصوصية، وذلك على النحو الآتي :
المبحث الأول: ماهية مبدأ علانية المحاكمة وأهم نتائجه العملية.
المبحث الثاني: الاستثناءات الواردة على مبدأ علانية المحاكمة.
المبحث الثالث: مدى إمكانية تحقيق التوازن بين مبدأي الخصوصية وعلانية المحاكمة.

البحث كاملا بصيغة PDF (باللغة العربية)